ابن بسام
166
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
الأجر وإسخاط الربّ ؛ وإن كان اللّه قد سلب بعدله ، فقد وهب بفضله ، وإن كان أخذ فقد أعطى ، وإن كان اخترم فقد أبقى ، وبهذا صدع عروة بن الزبير [ 1 ] رضي اللّه عنه عندما مني به في أحد أبنائه ، وبعض أعضائه ، واللّه يمتعك بالباقي الراهن ، وينفعك بالثاوي الظاعن ، ويجعل هذه الرزيّة منتهى بلواك ، وآخر رزاياك ، وييسّرك للتسليم والاحتساب ، ويحفظ عليك ما عرّضك له وعوّضك به من مذخور الثواب ، وإن كان قد جرى هذا الأمر ، على خلاف حكم الدهر ، في تقدّم الأسلاف على الأخلاف ، فصنع اللّه لك أجمل ، وصنعه في بقائك أعدل ، لغنائك عن المسلمين ، ومكانك للدنيا والدين ، فالملمّ ببقائك مغتفر ، والمهمّ وإن جلّ محتقر . وذكرت أنه خرج من بيته مجاهدا ، وعن حمى الدين ذائدا ، فقد وقع أجره على اللّه ، وفاز بكرامة اللّه ، وإذا فاز بالسعادة والشهادة وهو فرطك وشافعك ، فهو لا محالة مغتبطك ونافعك ؛ وقد أخذت بحظي من هذه الحادثة الشنعاء ، والداهية الدهياء ، في من تستقبل له أحوال ، وتناط به آمال ، ويعدّ في أكابر العدد ، وفي دخلة الصديق والولد ، والآخر ( ؟ ) إشفاقا عليك من مضطرّ فقده ، وتصوّر شديد اكتئابك من بعده ، فمثل هذا في مثله لم يكد يتسع للمصاب به صدر ، ولا يثبت للصدمة الإجاحية صبر ، فإن جزع الجازع فالعذر واضح ، وإن صبر المصاب فالأجر راجح [ 2 ] ، / ومشاركتك لي فيما طرقتك به الأيام ، وفجعك فيه الحمام ، مما أشكره من فعلك ، وأنشره من فضلك ، أوزعني اللّه شكرك ، ومدّ في عمرك ، وأعقبك زيادة العدد ، وجمع لك بين سعادة اليوم والغد . وفي فصل منها : وأنت الطّود الموفي على كلّ هضبة ، المعلّى على كل فرحة وكربة [ 3 ] ، وما بقيت وعوفيت فكلّ خطب وإن جلّ جلل ، وكلّ صعب وإن أعضل فمحتمل [ 4 ] ، فاللّه يا سيّدي في نفسك العزيزة أن يكون فيها كامن رزء [ 5 ] يقدح ، أو أن يوهن منها باطن أسى يكدح [ 59 أ ] أو يفدح [ 6 ] ، فأنت سداد كلّ ملمّ ، وسنا كلّ مظلم ، وأنا أضرب لك الأمثال ، وأعلم مع ذلك علم الحقيقة أنّ مصابك كبير ، ورزءك أليم
--> [ 1 ] راجع ابن خلكان 3 : 255 - 257 في صبر عروة عندما فقد ابنه وقطعت رجله . [ 2 ] ورد بعدها في ب م : بين سعادة اليوم والغد ؛ وهو سهو فيما يبدو ، لأن العبارة سترد بعد قليل . [ 3 ] د ط س : هضب . . . فرحة وكرب . [ 4 ] ط س : شعب . . . محتمل . [ 5 ] د ط س : جوى . [ 6 ] ط س : يقرح .